TvQuran

العودة   منتديات طلاب الجزائر > المنتدى الإسلامي > قسم الكتب و البرامج الإسلامية
قسم الكتب و البرامج الإسلامية تطرح هنا مواضيع الخاصة بتحميل الكتب و البرامج الإسلامية و الدينية.

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 2014-11-21, 10:01 AM رقم المشاركة : 1
معلومات الطالب
sara yasmina
::طالب(ة) جديد(ة)::
 
الصورة الرمزية sara yasmina
إحصائية الطالب







  sara yasmina

sara yasmina غير متواجد حالياً

 


افتراضي تعاليم الاسلام مع الفطرة

تعاليم الاسلام مع الفطرة
بعد أن تقرر أن المراد بالفطرة الإسلام، فلابد من تحرير المراد به، خصوصاً وأن الإسلام يطلق على معانٍ عدة: فقد يطلق على توحيد الربوبية -أي الإقرار بالصانع سبحانه-، أو على الإسلام الذي هو دين جميع الرسل بمعنى أصول الدين المشتركة بين جميع الرسل - عليهم الصلاة والسلام-، أو على الإسلام بمعناه الخاص الذي يطلق على دين نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم-.
فأي هذه المعاني مراداً عندما يقال الفطرة هي الإسلام؟
وللإجابة عن هذا السؤال تأملت أقوال من فسّر الفطرة بالإسلام فوجدتهم يجعلون لهذا التفسير عدة ضوابط -إن صح التعبير- ومنها:
1- أنه ليس المراد بقولنا ولد المولود على فطرة الإسلام، أنه حين خرج من بطن أمه يعلم هذا الدين ويريده، فإن الله تعالى يقول: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا}[97] ولكن فطرته مقتضية موجبة لدين الإسلام، لمعرفته ومحبته.
فنفس فطرة المولود تستلزم الإقرار بالخالق ومحبته وإخلاص الدين له ، وموجبات الفطرة ومقتضياتها تحصل شيئاً بعد شيء بحسب كمال الفطرة إذا سلمت عن المعارض[98].
2- أن القول بأن المولود فُطر على الإسلام، أو على الإقرار بالصانع -وإن لم يكن ذلك وحده إيماناً-، أو على المعرفة الأولى يوم أخذ الميثاق عليهم، يحصل به المقصود، فهذه الثلاثة لا منافاة بينها.
والكتاب والسنة دلاّ على ما اتفقت عليه هذه الثلاثة من كون الخلق مفطورين على دين الله، الذي هو معرفة الله والإقرار به، بمعنى أن ذلك موجب فطرتهم ومقتضاها، إذا سلمت من المغيّر[99].
3- أن الفطرة التي فطر الله الخلق عليها يوم قال لهم: "ألست بربكم؟ قالوا : بلى" تعني السلامة من الاعتقادات الباطلة، والقبول للعقائد الصحيحة، لأن حقيقة "الإسلام" أن يستسلم المرء لله، لا لغيره، وهو معنى لا إله إلا الله.
وهذه السلامة تعني أن المولود لو تُرك من غير مغيّر لما كان إلا مسلماً، وهذه القوة العلمية العملية التي تقتضي بذاتها الإسلام ما لم يمنعها مانع هي فطرة الله التي فطر الناس عليها[100].
4- أن مقابلة الفطرة في الحديث باليهودية والنصرانية والمجوسية دليلٌ على أن المراد بها أكثر من مجرد التوحيد الذي هو المسائل الاعتقادية، إذ لو كانت هي المرادة فقط لقابل الفطرة بالشرك، لأن هذه الديانات في أصلها توحيد[101].
5- أن تفسير الفطرة بالإسلام لا يعني أن الإسلام لا يشتمل إلا على ما تشهد به الفطرة بل المقصود أن الأصول التي في الإسلام هي من الفطرة وتتبعها أصول وتفريعات هي من المقبول لدى الفطرة[102].
6- تفسير الفطرة بالإسلام الذي جاء به سائر الأنبياء والرسل –عليهم الصلاة والسلام- يقصد به الأصول العقدية المشتركة بينهم جميعاً، فقد جاء كلُ واحدٍ منهم في هذا الأمر مصدقاً لمن قبله، قال تعالى: {وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ}[103] إلى أن جاء القرآن الكريم فصدّق وهيمن على ما قبله قال تعالى: {مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ}[104].
أما شرائع الأنبياء السابقين فغير داخلة في هذا، لأن لكل نبي شريعته الخاصة قال تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}[105] أما شريعة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -. فهي فطرية بمعنى أنها لا تعارض الفطرة البشرية بل تكملها وترقى بها، ومما يؤيد فطريتها أنها عامة لسائر البشر، ولا يمكن أن يكون هناك شيء صالح للبشر عامة حتى يكون ملائماً لفطرتهم، كما أنها غير قابلة للتغيير والتبديل بل صالحة لكل زمان ومكان[106].
وبهذه الأمور يتبين أن الفطرة التي هي الإسلام تشمل معاني الإسلام الثلاثة السابقة. غير أنها لا تقتصر فطرة المولود على المعنيين الأولين وهما التوحيد والأصول العقدية المشتركة بين الرسل بل تتعدى ذلك إلى كل ما جاء به دين نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - فهي تقتضيه وتوجبه إذا سلمت من المُغيّر المعارض. لأن مهمة الفطرة أوسع من مجرد المعرفة والتسليم فهي تشمل الشعور والمحبة، والقدرة على التمييز والتوجيه.
ومع هذا فلو قلنا أن الفطرة تعني الإسلام الذي جاء به نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم - لكان هذا القول صحيحاً، لأن دينه -عليه الصلاة والسلام- يتضمن المعنيين السابقين ويزيد عليهما. قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "وأما القرآن فإنه مستقل بنفسه لم يحوج أصحابه إلى كتاب آخر، بل اشتمل على جميع ما في الكتب من المحاسن، وعلى زيادات كثيرة لاتوجد في الكتب، فلهذا كان مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه، يقرر ما فيها من الحق ويبطل ما حُرّف منها وينسخ ما نسخه الله، فيقرر الدين الحق وهو جمهور ما فيها، ويبطل الدين المبدل الذي لم يكن فيها، والقليل الذي نسخ فيها، فإن المنسوخ قليل جداً بالنسة إلى المحكم المقرر"[107].
7- القول بأن الفطرة هي الإسلام لا يعني أن الفطرة تغني الناس عن إرسال الرسل وإنزال الكتب، لأن الوحي يختص بمسائل ومعارف ليس للفطرة فيها مجال وذلك كمسائل الاعتقاد الغيبية وما يتعلق بالشعائر التعبدية ونحوها[108].
- هل الفطرة عامة أم خاصة؟:
اختلف القائلون بأن الفطرة هي الإسلام، هل هي عامة لكل بني آدم أم هي خاصة بالمسلمين منهم فقط. و هذه أقوالهم:
1- القول الأول:
أن الفطرة خاصة بالمسلمين من بني آدم فقط، وليس المراد من قوله تعالى: {فطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} ولا من قوله -عليه الصلاة والسلام-: "كل مولود يولد على الفطرة" العموم. بل "معناه أن كل من ولد على الفطرة وكان له أبوان على غير الإسلام هوداه أو نصراه ، قالوا : وليس معناه أن جميع المولودين من بني آدم أجمعين يولدون على الفطرة بين الأبوين الكافرين وكذلك من لم يولد على الفطرة وكان أبواه مؤمنين حكم له بحكمهما في صغره وإن كانا يهوديين فهو يهودي ويرثهما ويرثانه وكذلك إن كانا نصرانيين أو مجوسيين حتى يعبر عنه لسانه ويبلغ الحنث فيكون له حكم نفسه حينئذ لا حكم أبويه"[109].
واحتج أصحاب هذا القول بما يلي:[110]
1- أن الله أخرج الذرية من صلب آدم سوداً وبيضاً.
2- أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال في الغلام الذي قتله الخضر "طبع يوم طبع كافراً".
3- أن الله خلق أقواماً للنار، قال تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ}[111].
4- حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: صلى بنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم - العصر بنهار -إلى أن قال- ومنهم من يولد كافراً ويحي كافراً ويموت كافراً... الحديث".
5- قالوا بأن بني آدم جميعاً لو فطروا على الإسلام لما كفر أحد.
6- أجابوا عن عموم حديث "كل بني آدم يولد على الفطرة" بأنه غير صحيح، ولو صح فليس فيه حجة، لجواز الخصوص، وهذا كثير في لسان العرب ومنه قوله تعالى: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا}[112] ولم تدمر السموات والأرض، وقوله تعالى: {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ}[113] ولم تفتح عليهم أبواب الرحمة.
7- قالوا بأن الكلام تمّ عند قوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا} ثم قال: {فِطْرَتَ اللَّهِ} أي فطر الله الخلق فطرة إما بجنة أو نار وإليه أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله: "كل مولود يولد على الفطرة".
2- القول الثاني.
أن الفطرة عامة لكل مولود من بني آدم، "فكل مولود من بني آدم فهو يولد على الفطرة أبداً وأبواه يحكم له بحكمهما -وإن كان قد ولد على الفطرة- حتى يكون ممن يعبر عنه لسانه"[114] واستدلوا بما يلي:
1- روايات حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- ومنها رواية : "كل بني آدم يولد على الفطرة" ورواية: "ما من مولود إلا يولد على الفطـرة". وقالوا: حـق الكلام أن يحمل على عمومه.
2- حديث سمرة بن جندب[115]-رضي الله عنه- في الرؤيا وفيه: "والشيخ الذي في أصل الشجرة إبراهيم، والولدان حوله أولاد الناس"[116] . وفي لفظ "وأما الولدان حوله فكل مولود ولد على الفطرة، قال فقال بعض المسلمين يا رسول الله وأولاد المشركين قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وأولاد المشركين"[117]. قالوا: فهذه الأحاديث تفيد ألفاظها أن جميع أولاد الناس يولدون على الفطرة. قال الشوكاني: "والأولى حمل الناس على العموم من غير فرق بين مسلمهم وكافرهم، وأنهم جميعاً مفطورون على ذلك لولا عوارض تعرض لهم فينتقلون بسببها إلى الكفر(*)، كما في حديث أبي هريرة الثابت في الصحيح قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة.." ... فكل فرد من أفراد الناس مفطور: أي مخلوق على ملة الإسلام، ولكن لا اعتبار بالإيمان والإسلام الفطريين، وإنما يعتبر الإيمان والإسلام الشرعيان، وهذا قول جماعة من الصحابة ومن بعدهم، وقول جماعة من المفسرين وهو الحق"[118].
وهذا القول الثاني هو أصح[119] القولين. وقد أجاب أصحابه على أدلة القول الأول بما يلي[120]:
1- حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- يجاب عنه بما يلي:
أ- في سنده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف[121]، ويكفي في الرد على هذا الحديث روايات حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- المتقدمة "كل مولود يولد على الفطرة"[122].
ب- أنه لا يعارض دعوى العموم، لأن الأقسام الأربعة راجعة إلى علم الله تعالى، فإنه قد يولد الولد بين مؤمنين، والعياذ بالله يكون قد سبق في علمه تعالى غير ذلك. وكذا من ولد بين كافرين، وإلى هذا يرجع غلام الخضر -عليه الصلاة والسلام-[123].
2- قال ابن القيم -رحمه الله- بعد أن ذكر ألفاظ حديث الفطرة التي في الصحيحين: "وإنما سقنا هذه الألفاظ لنبين بها أن الكلام جملتان، لا جملة واحدة، وأن قوله: "كل مولود يولد على الفطرة" جملة مستقلة، وقوله: "أبواه يهودانه .. إلى آخر" جملة أخرى.
وهو يبين غلط من زعم أن الكلام جملة واحدة وأن المعنى: كل مولود يولد بهذه الصفة فأبواه يهودانه وجعل الخبر عند قوله: "يهودانه إلى آخره". وألفاظ الحديث تدل على خطأ هذا القائل"[124].
المطلب الثاني: مناقشة الاعتراضات على أن حقيقة الفطرة هي الإسلام
ما سبق ذكره من أدلة أصحاب الأقوال المرجوحة هو في حقيقته اعتراضات على القول الراجح وهو أن الفطرة هي الإسلام، وبعض هذه الاعتراضات مشترك بين سائر الأقوال وبعضها غير مشترك، وسأذكر هنا أبرز تلك الاعتراضات إجمالاً.
وأناقش ما لم يناقش منها سابقاً، وأحيل على موضع المناقش منها.
ومن هذه الاعتراضات:
1- الاعتراض بمعنى الفطرة في اللغة، كقولهم: "أن الفطرة هي ابتداء الخلقة ومنه قوله تعالى: {فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} أي مبتدئها، وإذا كانت الفطرة هي الابتداء، وجب أن تكون تلك هي التي وقعت لأول الخلق، وجرت في فطرة العقول، وهو استخراجهم ذريةً لأن تلك حالة ابتدائهم"[125].
وهذا الاعتراض سبقت الإجابة عليه مفصلة[126].
2- قالوا: "لو كانت الفطرة هي الإسلام لوجب إذا ولد من بين أبوين كافرين ألا يرثهما ولا يرثانه، ما دام طفلاً لأنه مسلم، واختلاف الدين يمنع الإرث، ولوجب ألا يصح استرقاقه ولا يصح إسلامه بإسلام أبيه لأنه مسلم"[127].
وهذا الاعتراض ناتج عن الخلط بين أحكام الدنيا وأحكام الآخرة، فحديث الفطرة لم يأت لبيان أحكام الدنيا، وإنما ورد لبيان ما ولد عليه الأطفال من الفطرة[128].
وقد بين أهل العلم أن أطفال المشركين يعاملون في الدنيا تبعاً لآبائهم حسب الظاهر "وهذا موضع اتفاق بين علماء الأمة حيث ثبت ذلك في عهده وتواتر من فعله -عليه الصلاة والسلام- إذ لم يثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - منع معاملة ذراري المشركين من أهل الذمة والمعاهدين والحلفاء معاملة الكفار ، فلم يثبت أنه - صلى الله عليه وسلم- صلى على أحدٍ من أولاد الكفار، ولم يأمر بغسلهم ودفنهم في مقابر المسلمين، كما لم يمنع -عليه الصلاة والسلام- من استرقاقهم وإرثهم إذا ماتوا نظراً لكونهم على فطرة الإسلام، وعلى هذا انعقد الإجماع من بعده -عليه الصلاة والسلام- فلم يخالف في ذلك أحدٌ من أهل العلم ، ولكن لا يعني ذلك أن هؤلاء الأطفال ليسوا على فطرة الإسلام وأنهم كفار، إذ لا منافاة بين إثبات فطرة الإسلام لهم في حقيقة الأمر وبين معاملتهم معاملة الكفار تبعاً للوالدين في الدنيا حسب الظاهر"[129]. ومسألة أطفال المشركين فيها تفصيل ليس هذا موضعه[130].
3- القول بأن الفطرة هي الإسلام يمنع أن يكون الكفر خلقاً لله، وقد ثبت من أصول أهل السنة والجماعة أن أفعال العباد خلق لله من طاعة ومعصية[131].
وهذا الاعتراض تقرير لمذهب القدرية الذين يقولون بأن الله لا يقضي ولا يقدر المعاصي على العباد، ولكن العباد هم ا لذين يحدثون الكفر والمعاصي من قبلهم دون إرادة الله السابقة وعلمه الأزلي.
وقد سبق بيان أن هذا الاعتراض من أسباب اختلاف العلماء في معنى الفطرة[132].
وسيأتي في الباب الثاني مذهب القدرية والرد عليه -إن شاء الله تعالى-.
4- يستحيل أن تكون الفطرة هي الإسلام، لأن الإسلام والإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح وهذا معدوم من الطفل، لا يجهل ذلك ذو عقل[133].
وقد سبقت الإجابة مفصلة على هذا الاعتراض في المبحث الأول من هذا الباب[134].
5- الاعتراض بالآيات والأحاديث الدالة على الشقاوة والسعادة و الكفر والإيمان، كحديث الغلام الذي قتله الخضر، والشقي من شقي في بطن أمه وغيرها، وقد سبقت الاجابة عليها أيضاً[135].
6- حديث أبي ذر[136] -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عن ربه -عز وجل- أنه قال: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم... الحديث"[137].
قالوا: كيف تكون الفطرة هي الإسلام، والله يقول كلكم ضال إلا من هديته.
ويجاب عن هذا الحديث بما سبق في حديث ابن مسعود[138] وغيره من المباحث السابقة ويضاف إلى ذلك ما يلي:
أ- أن المراد بالضلالة المذكورة في الحديث ما كانوا عليه قبل بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم - من الضلالة لا أنهم خلقوا في الضلالة.
ب- أن المراد بالضلالة في الحديث الجهل بتفاصيل أحكام الإيمان وحدود الإسلام، والقول بأنه ولد على الفطرة لا يعني أنه يعلم تفاصيل الدين -كما سبق بيانه-[139] قال ابن رجب[140] -رحمه الله-: "لابد للعبد من تعليم الإسلام بالفعل، فإنه قبل التعليم جاهل لا يعلم شيئاً، كما قال -عز وجل-: {اللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ}[141] وقال لنبيه - صلى الله عليه وسلم - {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى}[142] والمراد : وجدك غير عالمٍ بما علّمك من الكتاب والحكمة، قال تعالى : {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ}[143] فالإنسان يولد مفطوراً على قبول الحق، فإن هداه الله سبّب لـه من يعلمه الهدى، فصـار مهتدياً بالفعل بعد أن كان مهتدياً بالقوة[144]، وإن خذله الله قيّض له من يعلمه ما يغير فطرته كما قال - صلى الله عليه وسلم -: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه... "[145] وقد يكون المراد بالضلال الوارد في الحديث "أنهم لو تُركوا وما في طباعهم من إيثار الشهوات والراحة وإهمال النظر لضلوا"[146].
7- قالوا: لو كانت الفطرة على الإسلام عند كل أحدٍ، لما وجد من ينكرها من أهل الكلام وغيرهم.
ويجاب عن هذا الاعتراض بما يلي[147]:
أ- أن أول من عُرف في الإسلام بإنكار هذه المعرفة هم أهل الكلام -من الجهمية[148] والقدرية- الذين اتفق السلف على ذمهم، وهم عند سلف الأمة من أضل الطوائف وأجهلهم.
ب- أن الإنسان قد يقوم بنفسه من العلوم والإرادات وغيرها من الصفات ما لا يعلم أنه قائم بنفسه، فإن قيام الصفة بالنفس غير شعور صاحبها بأنها قامت به، فوجود الشيء في الإنسان وغيره، غير علم الإنسان به.
والذي يبين ذلك أن الأفعال الاختيارية التي لا تتصور إلا بإرادة تقوم بنفس الإنسان، وكل من فعل فعلاً اختيارياً وهو يعرفه فلابد أن يريده، كنية الوضوء للصلاة، فكثير من الناس يستدعون النية بألفاظ يقولونها ظناً منهم أن النية لم تكن في قلوبهم فطلبوا حصولها مع علمهم أن التلفظ بها ليس بواجب وإنما الفرض وجود الإرادة في القلب وهي موجودة، ومع هذا يعتقدون أنها ليست موجودة. وإذا قيل لأحدهم "النية حاصلة في قلبك "لم يقبل لما قام به من الاعتقاد الفاسد المناقض لفطرته.
وكذلك حب الله ورسوله موجود في قلب كل مؤمن، لا يمكنه دفع ذلك من قلبه إذا كان مؤمناً، ومع هذا فكثير من أهل الكلام والرأي أنكروا محبة الله، وقالوا: يمتنع أن يكون محباً أو محبوباً، وقالوا: خلافاً للحلولية[149]. وكأن ذلك لم يقله إلا الحلولية، مع أنه دين الأنبياء والرسل، وقد دل عليه الكتاب والسنة وهذه المحبة في قلب كل مؤمن وإن أنكرها لشبهة عرضت له، وهكذا الفطرة. فهؤلاء الذين أنكروا الفطرة هم الذين أنكروا المحبة، وقد يكون هذا الإنكار سبباً لزوال فطرتهم، وقد تكون موجودة ولا ترى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "وأهل البدع -الجهمية ونحوهم- لما أعرضوا عن ذكر الله الذكر المشروع الذي كان في الفطرة وجاءت به الشرعة، -الذي يتضمن معرفته ومحبته وتوحيده- نسوا الله من هذا الوجه، فأنساهم أنفسهم من هذا الوجه، فنسوا ما كان في أنفسهم من العلم الفطري، والمحبة الفطرية والتوحيد الفطري"[150].
8- ومن الاعتراضات قولهم: أن الأطفال لو فطروا على الإسلام في أولية أمرهم ما انتقلوا عنه أبداً، وقد نجدهم يؤمنون ثم يكفرون.
وهذا الاعتراض سبقت الإجابة عليه أيضاً[151].
وهذه الاعتراضات الثمانية أشهر الاعتراضات على هذه الحقيقة التي قررتها في المطلب السابق.
* أقوال أخرى في الفطرة[152]:
هذه الأقوال أفردها بعض أهل العلم بالذكر حين عدّ الأقوال في حقيقة الفطرة، لذا سأذكرها هنا مجتمعة مع أن بعضها ضعيف جداً بل وبعيد عن المراد ولكن إتماماً للفائدة سأذكرها وأجيب عليها باختصار:
القول الأول:
قال ابن عبدالبر -رحمه الله-: "وقال آخرون الفطرة ما يقلب الله قلوب الخلق إليه مما يريد ويشاء فقد يكفر العبد ثم يؤمن فيموت مؤمناً وقد يؤمن ثم يكفر فيموت كافراً وقد يكفر ثم لا يزال على كفره حتى يموت عليه وقد يكون مؤمناً حتى يموت على الإيمان، وذلك كله تقدير الله وفطرته لهم"[153]. ثم ذكر -رحمه الله- حجة هؤلاء فقال:
واحتجوا بحديث "أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ألا إن بني آدم خلقوا على طبقات فمنهم من يولد مؤمناً ويحيى مؤمناً ويموت مؤمناً، ومنهم من يولد كافراً ويحيى كافراً ويموت كافراً، ومنهم من يولد كافراً ويحيى كافراً ويموت مؤمناً... الحديث".
ويجاب على هذا القول بما يلي:
1- أن الفطرة عند هؤلاء هي "ما قضاه الله وقدره لعباده من أول أحوالهم إلى آخرها ، كل ذلك عندهم فطرة، وسواء كانت عندهم حالاً بعد حال واحدة لا تنتقل، أو حالاً بعد حال، كقوله -عز وجل-: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ}[154] أي حالاً بعد حال على ما سبق لهم في علم الله وهذا القول وإن كان صحيحاً في الأصل فإنه أضعف الأقاويل من جهة اللغة في معنى الفطرة"[155].
2- الحديث الذي احتجوا به ضعيف -كما سبق بيان ذلك-[156].
3- هذا القول في جملته لا يعدوا أن يكون مصيراً من قائليه إلى أن الفطرة هي ما سبق في علم الله تعالى من سعادة العبد وشقاوته، وهذا القول سبقت الإجابة عليه مفصلة[157].
القول الثاني:
القول بالنسخ وبه قال الإمام محمد بن الحسن[158] -رحمه الله- حين سئل عن حديث الفطرة فقال: كان هذا في أول الإسلام قبل أن تنـزل الفرائض، وقبل أن يؤمر المسلمون بالجهاد. قال أبو عبيد: كأنه يذهب إلى أنه لو كان يولد على الفطرة ثم ما ت قبل أن يهوده أبواه أو ينصراه ما ورثهما ولا ورثاه لأنه مسلم وهما كافران، وكذلك ما كان يجوز أن يسبى، يقول: فلما نزلت الفرائض وجرت السنن بخلاف ذلك علم أنه يولد على دينهما[159].
الإجابة على هذا القول:
1- أن هذا القول بعيد عن المراد من بيان معنى الحديث أو حقيقة الفطرة، حتى قال ابن عبدالبر: "أظن محمد بن الحسن حاد عن الجواب فيه إما لإشكاله عليه أو لجهله به أو لكراهية الخوض في ذلك"[160].
وقال ابن نصر المروزي: "هذا رجل سئل عما لم يحسنه، فلم يدر ما يجيب فيه، وأنف أن يقول: لا أدري، فأجابه عن غير ما سأله عنه، فادعى أنه منسوخ، وإنما سأله أبو عبيد عن تفسير الحديث، ولم يسأله أناسخ هو أو منسوخ فكان الذي يجب عليه أن يفسر الحديث أولاً إن كان يحسن تفسيراً، فيكون قد أجابه عما سأله، ثم يخبر أنه منسوخ"[161].
2- قولـه بأن هذا الحديث كان في أول الإسلام مردودٌ بأن رواة هذا الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - هم "أبو هريرة والأسود بن سريع وسمرة، وكل هؤلاء لم يدرك أول الإسلام: أسلم أبو هريرة قبل وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحو من ثلاث سنين أو أربع، وكذلك الأسود بن سريع، وسمرة لم يدرك أول الإسلام، فقوله "كان هذا في أول الإسلام" باطل"[162].
3- قولـه بأن هذا الحديث كان قبل أن يؤمر المسلمون بالجهاد قولٌ باطل، لأن ألفاظ حديث الأسود بن سريع نصت على أن ذلك كان في الجهاد حين أفضى القتل بهم إلى قتل الذرية في بعض الغزوات[163].
4- مما يبطل هذا القول أن لفظ الحديث خبر محض وليس حكماً يدخله النسخ[164]، وفي هذا يقول محمد بن نصر المروزي: "ولا يُعلَم أحد يجوّز النسخ في أخبار الله غير صنف من الروافض يصفونه بالبداء[165] -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً- فلم يزل الله سبحانه عالماً بما يكون، ومريداً لما علم أنه سيكون لم يستحدث علماً لم يكن و لا إرادة لم تكن، فإذا أخبر عن شيء أنه كائن فغير جائز أن يخبر أبداً عن ذلك الشيء أنه لا يكون، لأنه لم يخبر أنه كائن إلا وقد علم أنه كائن وأراد أن يكون، وهو الفاعل لما يريد العالم بعواقب الأمور، لا تبدو له البدوات، ولا تحل به الحوادث، ولا تعتقبه الزيادة والنقصان، فقول النبي -صلى الله عليه وسلم- "كل مولود يولد على الفطرة" خبر منه عن كل مولود أنه يولد على الفطرة، فغير جائز أن يُخبر أبداً بخلاف ذلك فيقول: إن كل مولود يولد على غير الفطرة"[166].
وبهذا يتبين خطأ هذا القول وبُعده عن مراد الحديث. ومع هذا فقد اعتذر شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- لصاحبه ووجّه المراد بهذا القول فقال:
"وأما قول محمد، فإنه رأى الشريعة قد استقرت على أن ولد اليهودي والنصراني يتبع أبويه في الدين في أحكام الدنيا، فيحكم له بحكم الكفر في أنه لا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يرثه المسلمون ويجوز استرقاقهم ونحو ذلك فلم يجز لأحد أن يحتج بهذا الحديث على أن حكم الأطفال في الدنيا حكم المؤمنين حتى تعرب عنهم ألسنتهم، وهذا حق. لكن ظن أن الحديث اقتضى أن يحكم لهم في الدنيا بأحكام المؤمنين، فقال: هذا منسوخ، كان قبل الجهاد لأنه بالجهاد أبيح استرقاق النساء والأطفال، والمؤمن لا يسترق، ولكن كون الطفل يتبع أباه في الدين في الأحكام الدنيوية، أمرٌ ما زال مشروعاً، وما زال الأطفال تبعاً لأبويهم في الأمور الدنيوية، والحديث لم يقصد بيان هذه الأحكام، وإنما قصد ما وُلد عليه من الفطرة"[167].
القول الثالث:
قال ابن حجر: "ومنها قول بعضهم: إن اللام في الفطرة للعهد أي فطرة أبويه"[168].
ويجاب عنه بما يلي:
1- لو كان الأمر كذلك لم يقتصر في أحوال التبديل على ملل الكفر دون ملة الإسلام.
2- لو كان الأمر كذلك لم يكن لاستشهاد أبي هريرة -رضي الله عنه- بالآية معنى[169].
القول الرابع:
القول بأن الفطرة هي الفقر والفاقة، فالإنسان منذ ولادته إلى حين موته فقير محتاج، بل حتى في الآخرة[170]. وبه قال أبوبكر الوراق[171] وحسّنه القرطبي[172].
وهذا القول مع بُعده عن المراد من حديث الفطرة وما سيق لأجله من قتل الذرية ونحو ذلك. فهو يتعارض مع استعاذة النبي - صلى الله عليه وسلم - من الفقر والفاقة[173]، مع أنه مأمور بلزوم الفطرة واتباعها، مما يؤكد أن هذا ليس من معاني الفطرة ولا مدلولاتها.


ادعو لي بالشفاء رجاءا
وادعو لوالدي بالجنة







رد مع اقتباس

قديم 2017-01-06, 10:28 PM رقم المشاركة : 2
معلومات الطالب
ندى عبدالعاطي
::طالب(ة) جديد(ة)::
 
الصورة الرمزية ندى عبدالعاطي
إحصائية الطالب







  ندى عبدالعاطي

ندى عبدالعاطي غير متواجد حالياً

 


افتراضي رد: تعاليم الاسلام مع الفطرة

مشكووووووووووووووووووووووور







رد مع اقتباس

إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
تعاليم الاسلام مع الفطرة

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الاسلام مع الفطرةالفطرة sara yasmina قسم الكتب و البرامج الإسلامية 1 2017-01-06 10:28 PM
النسب الى الاسماء الاعجمية Haithem Seulement قسم السنة الثالثة متوسط 0 2014-11-05 01:54 AM
الدولة العثمانية و الاسلام rafik lounici قسم التاريخ و الحضارة الإسلامية 0 2014-10-10 07:13 PM


الساعة الآن 07:19 PM


!~التبادل النصي مع مواقع صديقة لنا~!
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO TranZ By Almuhajir
sitemap

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88